تشير تحليلات عدسات الجاذبية إلى وجود جسم "بحجم مليون شمس" ذي بنية لا تشبه أي جسم معروف - وقد تلمح إلى أن المادة المظلمة ليست "متجانسة" كما كنا نعتقد
هل من الممكن أن تتصرف المادة المظلمة - وهي "الرابط" الجاذبي الذي يربط المجرات وتجمعات المجرات معًا - بشكل مختلف عما هو متوقع؟ ورقة بحثية جديدة نُشرت في إحدى المجلات العلمية. طبيعة علم الفلك يُقدّم هذا الاكتشاف حالة رصدية غير مألوفة: جسمٌ كتلته تُقارب مليون كتلة شمسية، ولا يوجد له مثيل واضح بين الأجسام المعروفة. إذا ما ثبتت صحة هذا التفسير، فقد يُشكّل هذا الجسم تحديًا لكلٍّ من النماذج الشائعة للمادة المظلمة الباردة والمادة المظلمة الساخنة.
كيف "ترى" المادة المظلمة؟
المادة المظلمة لا تُصدر الضوء ولا تمتصه بطريقة تسمح برصدها المباشر. لذلك، يستخدم علماء الفلك ظاهرة كونية تُعرف باسم عدسة الجاذبية. فالكتلة تُشوّه نسيج الزمكان، وبالتالي تُشوّه مسار الضوء المار بالقرب منها. عندما يوضع جسم ضخم في خط الرؤية بين الراصد ومصدر ضوء بعيد، فإنه يُمكن أن يُمدد صورة المصدر ويُشوّهها ويُضاعفها، مُكوّنًا أقواسًا رفيعة أو ما يُعرف بـ"حلقات أينشتاين". ضمن هذه الصور المُشوّهة، يُمكن أحيانًا تحديد "شذوذات" صغيرة تُشير إلى وجود أجسام جاذبية صغيرة في مسار الضوء، حتى لو كانت هذه الأجسام مُظلمة تمامًا.
نتائج البحث وطبيعة الشذوذ
ركزت الدراسة على الجسم المكتشف عند وضعه على قوس جاذبية رقيق للغاية. أجرى الفريق اختبارات مكثفة لنماذج محتملة لكتلة الجسم وتوزيعه المكاني، في محاولة لتحديد النموذج الذي يفسر التشوه في القوس على أفضل وجه. ووفقًا للملخص، فإن النتيجة المرجوة هي نموذج يتضمن عنصرين:
- مكون صغير الحجم للغاية والتي تتصرف ككتلة نقطية (عند حد أعلى لنصف قطر صغير، يصل إلى حوالي عشرة فرسخ فلكي - أي عشرات السنين الضوئية).
- مكون موسع بكثافة داخلية ثابتة تقريبًا، تمتد إلى نصف قطر قطع يبلغ 139 فرسخ فلكي.
لا يشبه هذا التركيب بنية عنقود نجمي عادي، أو مجرة قزمة نموذجية، أو أي فئة أخرى معروفة. ويؤكد الباحثون أنه إذا كان هذا الجسم يهيمن عليه المادة المظلمة، فإن هذه البنية لا تتوافق مع التنبؤات البسيطة للمادة المظلمة الباردة "الملساء" وغير المتصادمة، ولا بالضرورة مع النسخ الساخنة التي تمتلك فيها الجسيمات سرعة ابتدائية أعلى أدت إلى تدمير البنى الصغيرة.
التفسيرات المحتملة
تتناول الورقة البحثية أحد الاحتمالات، وهو المادة المظلمة ذاتية التفاعل (SIDM): أي أن جسيمات المادة المظلمة لا تتفاعل جاذبياً فحسب، بل تتفاعل أيضاً عبر "الاحتكاك" أو التصادمات الضعيفة. في مثل هذه النماذج، قد يختلف التطور الداخلي لهالة المادة المظلمة اختلافاً كبيراً، بما في ذلك سيناريوهات "انهيار" المنطقة المركزية وتشكيل ثقب أسود مركزي في نهاية المطاف. ويشير الباحثون إلى أن هذا المسار قد يكون قريباً من الصورة الشاذة التي تم رصدها، ولكن من المهم التأكيد على أن هذا مجرد تفسير، وليس قراراً نهائياً.
الخطوات التالية
كما هو معتاد في العلوم، فإنّ "حالة شاذة واحدة" ليست نهاية المطاف، بل هي البداية. نحتاج إلى البحث عن حالات مماثلة، وتحسين جودة الملاحظات، والتأكد من أن الإشارة لا تنبع من تفاصيل تقنية للنموذج أو من تأثيرات إضافية على طول خط الرؤية. مع ذلك، تُظهر هذه الحالة سبب اعتبار علماء الفلك للعدسات الجاذبية أداة بحثية مهمة: فهي تُمكّننا من النظر بدقة إلى المواضع التي تكون فيها النماذج النظرية أكثر عرضة للتأثر - النطاق الصغير الذي يُفترض أن تتشكل فيه المادة المظلمة على شكل "كتل" صغيرة لا حصر لها.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم: