مثل السجائر، ولكن في طبق: لماذا يُعدّ الطعام فائق المعالجة تحديًا صحيًا وطنيًا

يشرح الدكتور تاير بن بورات والبروفيسورة شيرا زلبار ساجي من جامعة حيفا لماذا يعزز النقاش الأمريكي حول تقييد شراء المشروبات السكرية باستخدام قسائم الطعام التحول من المسؤولية الفردية إلى مسؤولية الدولة، وما يمكن أن تتعلمه إسرائيل من ذلك.

الأطعمة فائقة المعالجة. صورة توضيحية: depositphotos.com
الأطعمة فائقة المعالجة. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

نُشرت مقالة مراجعة جديدة هذا الأسبوع، وتمت مراجعتها بشكل موسع فيالجارديان يقدم هذا البحث إطارًا فكريًا معمقًا: إذ يرى الباحثون أن الأطعمة فائقة المعالجة لا تتشابه في خصائصها وأنماط نموها وتأثيراتها الصحية مع الفواكه والخضراوات أو الأطعمة قليلة المعالجة، بل مع السجائر. وتخلص الدراسة المنشورة إلى أن العديد من الأطعمة فائقة المعالجة تشترك في خصائص هيكلية وصناعية مميزة مع منتجات التبغ، مما يستدعي فرض رقابة أكثر صرامة مما هو معمول به حاليًا.

في العقود الأخيرة، أصبحت الأطعمة فائقة المعالجة جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي اليومي لكثير من الناس حول العالم، وأحيانًا تشكل نسبة كبيرة من السعرات الحرارية التي يتناولها البالغون والأطفال. هذه ليست مجرد أطعمة معالجة عادية، بل منتجات صناعية جاهزة للاستهلاك: مشروبات سكرية، ووجبات خفيفة معلبة، وحلويات، ومخبوزات صناعية، وحبوب إفطار سكرية، ومنتجات لحوم مصنعة. وهي متوفرة في كل مكان تقريبًا، ويتم تسويقها بقوة، وسهلة الاستهلاك، وغالبًا ما تكون أرخص من الأطعمة الطازجة قليلة المعالجة. لذلك، يتضح بشكل متزايد أن هذه ليست مجرد مشكلة "خيارات غذائية غير صحية"، بل ظاهرة واسعة النطاق ومنهجية ذات آثار عميقة على الصحة العامة.

يتم البحث في هذا الموضوع من قبل الدكتور طير بن بورات والبروفيسورة شيرا زالبار ساجي، كلية الصحة العامة، كلية العلوم الاجتماعية والصحية، جامعة حيفا.

ما هو الطعام فائق المعالجة، ولماذا هو مهم؟

يستند التعريف المعتمد إلى تصنيف NOVA، الذي يميز بين الأطعمة الكاملة أو قليلة المعالجة والمنتجات المصنعة من مزيج من المكونات الصناعية والمواد المضافة. تُصنع الأطعمة فائقة المعالجة من مزيج من المكونات المصنعة والمواد المضافة، مثل النكهات، والملونات الغذائية، والمثبتات، والمحليات. تختلف عمليات إنتاجها عن الطبخ المنزلي، وغالبًا ما يكون المنتج النهائي مختلفًا عن الطعام الأصلي: على سبيل المثال، شريحة لحم على شكل ديناصور، أو حبوب إفطار ملونة بنكهات الفاكهة. يمكن أحيانًا تمييز هذه الأطعمة من خلال قائمة طويلة من المكونات واستخدام مواد غير شائعة في المطابخ المنزلية. قد يكون التغليف نفسه جزءًا من المشكلة، حيث تُسوّق هذه الأطعمة وتُستهلك دائمًا تقريبًا في عبوات بلاستيكية أو معدنية أو عبوات أخرى تُسهّل تناولها وتزيد من وتيرة استهلاكها.

لكن السؤال الأهم ليس فقط "ماذا يحتوي؟"، بل ما يفعله هذا المزيج الصناعي بعاداتنا الغذائية وأجهزة أجسامنا. تتراكم الأدلة البحثية التي تُظهر وجود صلة وثيقة بين الإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة والأمراض المزمنة، بما في ذلك السمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، وتلف مختلف أجهزة التمثيل الغذائي، وحتى الوفاة. وقد أكدت دراسات عديدة أن هذه الصلة تبقى قائمة حتى بعد تعديل عوامل أخرى مؤثرة مثل إجمالي الطاقة المتناولة، والوزن، والخصائص الاجتماعية والديموغرافية. وتشير المراجعات المنهجية في هذا المجال، بما في ذلك تلك التي تناولت الكبد الدهني، ومتلازمة التمثيل الغذائي، ومقاومة الأنسولين، إلى أن الإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة يرتبط بزيادة خطر الإصابة باضطرابات أيضية خطيرة تتجاوز تأثير السمنة نفسها.

لماذا تقارن هذا بالسجائر؟

تُقدّم مقالة تحليلية جديدة، أُثيرت مؤخرًا على نطاق واسع للنقاش العام، إطارًا فكريًا دقيقًا: النظر إلى الأطعمة فائقة المعالجة كمنتج لا يُشبه في خصائصه الأطعمة الطبيعية، بل منتجات التبغ. هذه المقارنة ليست مجرد شعار، بل تستند إلى أوجه تشابه في البنية الصناعية، وأساليب التطوير، وخاصة في قدرتها على تشجيع الاستهلاك المتكرر والمتزايد.

تستخدم صناعة الأغذية توليفات دقيقة من السكر والدهون (وأحيانًا مكونات أخرى)، مُفككةً عمدًا البنية الطبيعية للطعام ومضيفةً موادًا مُحسِّنة، لتعزيز "الشعور بالرضا" بشكل أسرع وأقوى. وبهذا المعنى، لا يكون المنتج "لذيذًا" فحسب، بل مُصممًا ليصعب التوقف عن تناوله بعد كمية صغيرة. كما أن سرعة التأثير مهمة أيضًا: إذ يمكن لعمليات التصنيع أن تزيد من توافر المكونات وتُسرِّع "سرعة وصولها"، بحيث يصل الشعور بالرضا الدماغي بشكل أسرع. وإلى جانب ذلك، ثمة تشابه في التسويق. فكما روّجت صناعة التبغ في الماضي للسجائر المُفلترة أو "المُخفَّضة"، تُسوِّق صناعة الأغذية أيضًا الأطعمة فائقة المعالجة على أنها "قليلة الدسم" أو "خالية من السكر" أو "مُدعَّمة"، على الرغم من أن قيمتها الغذائية الإجمالية تبقى منخفضة. يُطلق على هذا أحيانًا اسم "التسويق الصحي المُضلل": رسائل تُربك المستهلكين، وتُعيق التنظيم، وتُحوِّل النقاش عن السؤال الأساسي المتعلق بتصميم المنتج وتأثيره على أنماط الاستهلاك.

لكن ثمة فرق جوهري: يمكن تجنب التبغ تماماً، بينما لا يمكن تجنب الطعام. لذا، لا يكمن الحل في "حظر شامل"، بل في تغيير المفاهيم وتوفير أدوات هيكلية توازن بين الحرية الشخصية وحماية الصحة العامة.

السياسة، وعدم المساواة، والنقاش الذي نشأ في الولايات المتحدة

يصبح هذا النقاش أكثر وضوحًا عند تطبيق السياسات العامة. فقد أثار إجراءٌ قيد الدراسة في الولايات المتحدة - وهو تقييد شراء المشروبات السكرية والحلويات باستخدام قسائم الطعام الفيدرالية - توتراتٍ أخلاقية وعملية: فمن جهة، يكاد لا يوجد خلاف علمي حول أضرار الإفراط في استهلاك المشروبات السكرية والأطعمة الغنية بالسكر، وارتباطها بالسمنة وداء السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية. ومن جهة أخرى، يُعدّ هذا الإجراء مؤثرًا بشكل خاص على الفئات السكانية الأقل حظًا، التي تعاني أصلًا من محدودية الوصول إلى الغذاء الصحي، وضيق الوقت، ونقص المعرفة الغذائية، وأحيانًا من ضغوط مالية ونفسية.

يُستند في تأييد هذا التوجه إلى فكرة أنه عندما تتدخل الدولة بالفعل وتدعم شراء المواد الغذائية، فمن المنطقي توجيه المساعدات العامة نحو الأطعمة التي تُعزز الصحة بدلاً من تلك التي تُضر بها، بهدف الحد من التفاوتات الصحية. ويؤكد المؤيدون لهذا التوجه على أن أي تقييد قد يُنظر إليه على أنه إكراه أو "عقاب"، خاصةً إذا طُبِّق دون بدائل، ودون توعية، ودون أي تحسن حقيقي في البيئة الغذائية.

تبرز هنا نقطة جوهرية: "حرية الاختيار" ليست بمعزل عن الواقع، بل تتأثر بأسعار المواد الغذائية، وتوافرها في البيئة السكنية، والتسويق والإعلان، وما يُقدم في المدارس والأكشاك والمؤسسات. فعندما يكون معظم ما هو متوفر ورخيص الثمن عبارة عن أغذية مُصنّعة للغاية، وتكون البدائل الصحية باهظة الثمن أو نادرة، فإن حرية الاختيار لا تكون حقيقية. لذا، يمكن للسياسات أن تُوسّع نطاق الحرية، لا أن تُقلّصها، إذا ما هيّأت بيئةً تُتيح اختيارًا واعيًا ومتاحًا للجميع.

لكي تنجح السياسة التقييدية، يجب أن تأتي كجزء من حزمة واسعة: دعم تعليمي ومعلوماتي محترم وغير متحيز ومناسب ثقافياً ومتاح للجميع؛ أدوات عملية لاتخاذ خيارات صحية بميزانية محدودة؛ إلى جانب تدابير تزيد من إمدادات الأغذية الصحية وإمكانية الوصول إليها، مثل خفض أسعار الفواكه والخضروات، وتقديم حوافز للمشتريات الصحية، والتعاون مع تجار التجزئة، وفرض قيود على تسويق الأغذية الضارة، وخاصة للأطفال والمراهقين.

وماذا عن إسرائيل؟

في إسرائيل، يواجه العالم تحدياً مماثلاً: ارتفاع استهلاك المشروبات والوجبات الخفيفة السكرية، وتزايد معدلات السمنة، والتفاوتات الصحية بين فئات السكان. وقد اتُخذت خطوات هامة، مثل وضع ملصقات على واجهة العبوات، وفرض ضرائب على المشروبات السكرية في فترات محددة. إلى جانب ذلك، لا تزال مسألة السياسة الهيكلية مطروحة: إلى أي مدى ترغب الدولة في التدخل في البيئة الغذائية، ليس فقط من خلال التوعية، بل أيضاً من خلال وضع قواعد توازن بين قوة التسويق والسعر وأهداف الصحة العامة؟

إذا استلهمنا من مكافحة التدخين، فإن المبدأ لا يكمن في "حظر الطعام"، بل في الحد من أضراره: من خلال وضع ملصقات واضحة، وفرض قيود على التسويق، وتقديم حوافز للأغذية الصحية، وفرض ضرائب مدروسة على المنتجات الضارة بشكل خاص، وزيادة مسؤولية الصناعة. والتغيير المطلوب هو الانتقال من التفكير في المسؤولية الشخصية وحدها إلى التفكير في المسؤولية الاجتماعية والسياسية: أي تهيئة الظروف التي تُمكّن من اتخاذ خيارات صحية حقيقية.

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال في ما إذا كان يُسمح للناس بتناول طعام معين، بل في ما إذا كنا كمجتمع نخلق بيئة يكون فيها الخيار الافتراضي داعمًا للصحة. عندما تُصمَّم الأطعمة فائقة المعالجة، وتُسوَّق، وتُسعَّر لتكون الخيار السهل والرخيص، فلا عجب أن تصبح هي السائدة. إن السياسات القائمة على الأدلة، والتي من جهة، تُقلِّل من التعرض والتسويق لهذه الأطعمة، ومن جهة أخرى، تُزيد من إمكانية الوصول إلى البدائل الصحية، قادرة على الحد من الأمراض، وتضييق الفوارق، وجعل "حرية الاختيار" حقيقة واقعة.

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.