يصف التقرير الثلاثي السنوي للأكاديمية الإسرائيلية للعلوم التميز البحثي إلى جانب انخفاض الاستثمار في البحوث الأساسية، والضرر الذي لحق بالعلاقات الدولية، وعواقب الحرب والإصلاح القانوني على أعضاء هيئة التدريس الشباب والتعاونات والإنتاج البحثي.
نشرت الأكاديمية الإسرائيلية للعلوم والآداب تقريرًا جديدًا يُصدر كل ثلاث سنوات حول حالة العلوم في إسرائيل لعام 2025. وهذا هو التقرير الخامس ضمن سلسلة تُقدم إلى الحكومة والكنيست كل ثلاث سنوات. يستعرض التقرير، الذي يرأسه رئيس الأكاديمية، البروفيسور ديفيد هاريل، البحوث الأساسية في أربعة مجالات: العلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الدقيقة، وعلوم الحياة والعلوم الطبية، كما يتناول حالة البنية التحتية البحثية والمكانة الدولية للأكاديمية الإسرائيلية. وقد أُضيف هذا العام فصلٌ خاص إلى التقرير يُحلل تأثير الحرب التي دارت رحاها بين عامي 2023 و2025 على رأس المال البشري، وإجراءات البحث، والعلاقات مع العالم.
يُقدّم عنوان التقرير صورةً مُعقّدة. فمن جهة، لا يزال البحث العلمي الإسرائيلي يتمتّع بسمعةٍ مرموقةٍ ويُحقق نجاحاتٍ مُتواصلةٍ على الساحة الدولية. ومن جهةٍ أخرى، تتراكم مؤشراتٌ تُفسّر سبب تحذير الأوساط الأكاديمية من تراجع مكانة البحث. ويكمن جوهر هذا التحذير في التراجع المُستمر للاستثمار الوطني في البحث العلمي، إلى جانب تضرر العلاقات الدولية والآثار العميقة للحرب على البحث العلمي الذي يتطلّب وقتاً وهدوءاً وشبكات تعاون.
انخفاض الاستثمارات في إسرائيل، مقارنة بالزيادة الكبيرة في أوروبا
أبرز الإحصائيات، التي تبدو تقنيةً للوهلة الأولى، لكنها تحمل دلالة سياسية واقتصادية واضحة، هي تراجع الاستثمار في البحث العلمي الأكاديمي. فبحسب التقرير، انخفض الإنفاق الوطني على البحث والتطوير الأكاديمي في إسرائيل بنحو 4% خلال العقد الماضي. في حين سُجِّلَ في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية زيادةٌ بنحو 20% في الاستثمار في البحث والتطوير الأكاديمي خلال الفترة نفسها. بعبارة أخرى، لا تزال إسرائيل تُعتبر مركزًا رائدًا في مجال البحث والتطوير، إلا أن جزءًا كبيرًا من العبء والمخاطر يقع على عاتق قطاع الأعمال والصناعة، بينما لا يحظى القطاع الأكاديمي، الذي يُنتج المعرفة والقوى العاملة والاختراقات طويلة الأمد، بالدعم الكافي. ويُشير التقرير إلى أن هذه المسألة تستدعي مراجعة السياسات، لأن المكانة العلمية لا تُحافظ عليها بمرور الوقت دون استثمار مستمر في البحث الأساسي.
آثار الحرب
يشير الفصل المخصص لآثار الحرب إلى أن الضرر لا يقتصر على اضطراب مؤقت في الجداول الدراسية. فقد عانت مؤسسات التعليم العالي من اضطرابات بسبب الخدمة الاحتياطية، وصعوبات التدريس والبحث، والإغلاقات، وظروف العمل المعقدة. ولكن، يتجاوز ذلك، إذ يشير التقرير إلى ضرر أعمق، يرتبط بمسألة التدويل. فبحسب التقرير والملخصات التي وُزعت عند نشره، أُلغيت معظم المؤتمرات الدولية التي كان من المقرر عقدها في إسرائيل خلال عامي 2024-2025، وانخفضت الدعوات الموجهة للباحثين الإسرائيليين لحضور المؤتمرات والندوات في الخارج. وهذه ضربة مزدوجة، فهي تُقلل من انفتاح العلوم الإسرائيلية على الساحة الدولية، وتُصعّب على الباحثين - وخاصة الشباب منهم - بناء شبكة علاقات مهنية لا غنى عنها للتقدم.
يتناول التقرير صراحةً تزايد المقاطعات الأكاديمية، العلنية منها والسرية. ويصف حالات قطع العلاقات من قبل مؤسسات مركزية في الخارج، واستبعاد العلماء الإسرائيليين من اتحادات ضمن برامج أوروبية، وتوقف التعاون بين المؤسسات. ويشير التقرير أيضاً، في سياق متصل، إلى المخاوف من تضرر مكانة إسرائيل في برامج الاتحاد الأوروبي ضرراً بالغاً. وإذا أضفنا إلى ذلك اعتماد العديد من منح البحث والتعاون واستقطاب المواهب على سياسة الانفتاح على أوروبا والولايات المتحدة، تتضح لنا الصورة بأن "التدويل" ليس مجرد تجميل، بل هو شرط أساسي.
الانقلاب والمقاطعة العلمية
هنا يبرز بُعدٌ آخر يُسلّط عليه التقرير الضوء: الأزمة الداخلية المحيطة بما تسميه الحكومة "الإصلاح القانوني"، والذي يُطلق عليه بدقة أكبر "الانقلاب السياسي". ويشير التقرير إلى أن الفترة التي سبقت الحرب كانت حافلة بالاضطرابات، وبحسب بعض البيانات، فقد شكّلت "خلفيةً مُزعزعةً" أُضيفت إلى أزمة كورونا والحرب. ووفقًا للتقرير، لم يكن تأثير الحرب على وضع أعضاء هيئة التدريس من ذوي الرتب العليا منفصلًا عن الأحداث الاجتماعية والسياسية المحيطة بالإصلاح القانوني الذي طُرح في أوائل عام 2023. ويصف التقرير كيف أن الخطاب العام حول الرحيل في أعقاب هذه الأحداث - وهو خطابٌ تطرق أيضًا إلى التكنولوجيا المتقدمة والطب - واضحٌ أيضًا في الأوساط الأكاديمية. ويُثير التقرير مخاوف من أن الضعف الداخلي يُشير إلى أن المؤسسات في الخارج لديها فرصة أكبر لانتقال أعضاء هيئة التدريس الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه قد يُبطئ استيعاب أعضاء هيئة التدريس من ذوي الرتب العليا، لأسبابٍ من بينها تأخر عودة باحثي ما بعد الدكتوراه إلى إسرائيل.
يتناول التقرير بالتفصيل كيف أن الإصلاح القانوني والأزمة المحيطة باستقلالية مؤسسات الدولة يزيدان من هشاشة الأوساط الأكاديمية، متجاوزين بذلك مجرد تحسين صورتها. ويصف محاولات متكررة للإضرار باستقلالية الأوساط الأكاديمية وسلوكها، ويسرد أمثلة على تحركات يُنظر إليها على أنها تضر بالعلم والروح والثقافة: كتشريعات تقيّد حرية التعبير، وتوسيع نطاق الفصل بين الجنسين، والاستيلاء على الهيئات والمؤسسات التي تُشكّل بنية المعرفة والسلطة العامة، أو محاولة الاستيلاء عليها. وحتى لو لم تُحدث كل خطوة من هذا القبيل تغييرًا فوريًا في عدد المنشورات، فإنها تؤثر على قدرة المؤسسات على استقطاب الباحثين، وجذب الشركاء، وضمان حرية البحث العلمي.
بسبب هذه الخلفية تحديدًا، تكتسب بيانات التميز الدولي دلالة مزدوجة. فمن جهة، يشير التقرير إلى أن إسرائيل لا تزال تُحقق إنجازاتٍ باهرة في منح المجلس الأوروبي للبحوث خلال الفترة 2015-2024، ما يُؤكد جودة البحث العالية وقدرتها على المنافسة في عملية تقييم صارمة. ومن جهة أخرى، شهدت جولة منح المجلس الأوروبي للبحوث لعام 2025 في المسار التمهيدي، المُخصص للباحثين في بداية مسيرتهم المهنية، انخفاضًا حادًا في نسبة النجاح، لتصل إلى 8% فقط مقارنةً بنسبة 29% إلى 32% في السنوات السابقة. ويُقدم التقرير عدة تفسيرات مُحتملة، منها تغيير في أسلوب التقييم، وتغيير في عمليات الإعداد والتدريب في المؤسسات، وتراجع قدرة الباحثين الشباب على التركيز بسبب الحرب، وانخفاض استيعاب أعضاء هيئة التدريس الشباب في بعض المؤسسات، واحتمالية وجود تأثير مقاطعة خفي. كما يُؤكد التقرير أنه من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان هذا حدثًا استثنائيًا أم بداية لاتجاه مُستمر.
إلحاق الضرر بأعضاء هيئة التدريس الشباب
يُشير التقرير إلى أن الفئة الأكثر تضررًا هي أعضاء هيئة التدريس الشباب قبل حصولهم على التثبيت. فبالنسبة لهم، لا يُمثل تباطؤ النشاط لمدة عام أو عامين مجرد "فترة عصيبة أخرى"، بل هو ضربة قاصمة لنقاط حاسمة في مسيرتهم المهنية: تراكم المنشورات، وإبرام اتفاقيات التعاون، وبناء سمعة دولية، والحصول على منح تنافسية. ويذكر التقرير أن هذه الأزمة جاءت في أعقاب جائحة كورونا وأزمة داخلية تتعلق بالإصلاح القانوني، وأن تراكم هذه الأحداث فاقم الضرر الذي لحق بهذه الفئة تحديدًا. في الوقت نفسه، يُشير التقرير إلى ظاهرة تؤثر بشكل مباشر على نشاط المختبر: فمنذ اندلاع الأزمة، بدأ باحثو ما بعد الدكتوراه الدوليون بمغادرة المختبر، بينما لم يصل آخرون. والنتيجة هي ضربة يومية للمختبر، وللتعاون، ولاستمرارية المشاريع.
يتفاقم هذا الوضع بفعل التغيرات العالمية التي تزيد من حالة عدم اليقين. ويشير التقرير إلى تغيير محتمل في الحكومة الأمريكية مطلع عام ٢٠٢٥، والذي سيصاحبه تخفيضات كبيرة في ميزانيات الجامعات وهيئات تمويل البحوث. وإذا ما استمر هذا التوجه، فقد يضر بقدرة الباحثين الإسرائيليين على الفوز بمنح أمريكية والتعاون مع المؤسسات الأمريكية. وهذا يخلق واقعًا تنبع فيه بعض المخاطر من الخارج، بينما ينبع جزء كبير منها من قرارات داخلية تتعلق بالميزانية، والاستقرار النظامي، والعلاقات بين الدولة والأوساط الأكاديمية.
التوصيات: زيادة الاستثمار في العلوم الأساسية، واستعادة العلاقات الدولية، واستقلال الأوساط الأكاديمية
يؤدي هذا أيضًا إلى "سلسلة من التوصيات" المتكررة في التقرير، والتي يمكن ترجمتها إلى سياسات عملية. يدعو التقرير إلى زيادة كبيرة في الاستثمار الوطني في البحوث الأساسية، لوقف التراجع ومواكبة التطورات العالمية. ويؤكد على ضرورة الحفاظ على العلاقات الدولية وإعادة بنائها، ليس فقط كبادرة دبلوماسية، بل كآلية تُمكّن من إجراء بحوث تنافسية. ويشير إلى ضرورة حماية الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي، لا سيما في ظل الضغوط السياسية والتشريعية التي تُثير حالة من عدم اليقين. كما يُشدد على ضرورة حماية الجيل القادم من الباحثين، من خلال توفير مسارات وحوافز تُمكّن أعضاء هيئة التدريس والباحثين الشباب من إعادة بناء مسيرتهم المهنية، حتى في ظل الأزمات الوطنية التي تُلقي بظلالها على السنوات الحاسمة من حياتهم.
في المقالات التالية، سنتعمق أكثر في موضوعين يتصدران التقرير ويتطلبان مناقشة منفصلة: البنى التحتية البحثية - وخاصة البنى التحتية الحاسوبية في عصر الذكاء الاصطناعي - والاختلافات بين مختلف مجالات العلوم، حيث يتلقى الواقع العام نفسه تعبيرات مختلفة وتوصيات مختلفة.
المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:
تعليقات 5
يُقتل العلم بشكل ممنهج من قبل النظام الحالي. من كان ليظن أننا سننتهي بدكتاتورية هنا وفي ثاني أكبر دولة متخلفة، الولايات المتحدة؟ أيام عصيبة.
مقاطعة استلام المواد من إسرائيل
ندعوكم لقراءة المقال حول دراسة أجرتها جامعة تل أبيب بعنوان: متى نريد أن نعرف ومتى نخفي حقيقة محرجة
https://www.hayadan.org.il/voluntary-ignorance-when-to-know-when-to-avoid-truth
يمكنك تسميته ما شئت، لكن تعقيم السلطة القضائية في الديمقراطية ليس إصلاحًا، بل هو محاولة لإلغاء مبدأ الفصل بين السلطات، وبما أن الكنيست تابع للحكومة، فإن إلغاء السلطة الثالثة سيحول إسرائيل إلى دكتاتورية سلطة واحدة. ليس لدى الجميع الصبر الكافي لانتظار أيام أفضل، ويريدون الاستفادة من المعرفة التي اكتسبوها والعيش في أماكن أكثر حرية، وبالتحديد، يوجد منهم أكثر من مئة ألف. غادر الأطباء المتخصصون، وعليك الانتظار لأسابيع وشهور للحصول على طبيب جلدية، وسنوات للحصول على طبيب جهاز هضمي. إذا كنت تعتقد أن إسرائيل قد تحسنت بعد الإصلاح، فالعار عليك، لكن هذا لا يجعل هذا الادعاء الزائف صحيحًا.
انقلاب في مؤخرتك.
تم حذف التطبيق في هذه اللحظة.