كيف كانت رائحة المومياوات؟ يكشف التحليل الكيميائي أسرار التحنيط في مصر القديمة

حدد باحثون من جامعة بريستول 81 مركباً عضوياً متطايراً في عينات مومياوات عمرها آلاف السنين، مما يدل على كيف أصبحت مواد التحنيط أكثر تعقيداً وتطوراً على مر الأجيال.

قد تحمل الرائحة الخفيفة التي تخلفها المومياوات المصرية القديمة معلومات أكثر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. فمن خلال تحليل المركبات الكيميائية المتطايرة المنبعثة في الهواء من بقايا المومياوات، تمكن الباحثون من الكشف عن تفاصيل جديدة حول كيفية تطور أساليب التحنيط على مدى أكثر من ألفي عام. (صورة توضيحية: depositphotos.com )
قد تحمل الرائحة الخفيفة التي تخلفها المومياوات المصرية القديمة معلومات أكثر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. فمن خلال تحليل المركبات الكيميائية المتطايرة المنبعثة في الهواء من بقايا المومياوات، تمكن الباحثون من الكشف عن تفاصيل جديدة حول كيفية تطور أساليب التحنيط على مدى أكثر من ألفي عام. الرسم التوضيحي: موقع Depositphotos.com

لطالما أثارت المومياوات فضول المؤرخين وعلماء الآثار على مرّ القرون. والآن، يُشير الباحثون إلى أن الرائحة العفنة المميزة للجثث المحفوظة تحمل في طياتها أدلة علمية هامة. فبدلاً من أن تكون مجرد نتيجة لشيخوخة المادة، اتضح أنها مزيج من مواد التحنيط والأقمشة المعالجة، مما يُوثّق كيف تطورت أساليب التحنيط عبر العصور.

وقد قاد الدراسة كيميائيون من جامعة بريستول، الذين وجدوا أن الرائحة الفريدة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمواد المستخدمة في عملية التحنيط.

قالت الدكتورة فانيوي تشاو، الباحثة الرئيسية في مجال الكيمياء الجيولوجية العضوية بجامعة بريستول: "تمثل هذه النتائج خطوة هامة نحو تحسين فهمنا للتاريخ المصري وطقوس التحنيط الرائعة. وقد كشف تحليلنا للروائح المصاحبة عن رؤى جديدة حول كيفية تطور هذه الممارسة على مر القرون وازدياد تعقيدها".

تُظهر الصورة إحدى عينات المومياء، من متحف بريستول، المستخدمة في الدراسة. يشير السهم الأحمر إلى موضع أخذ عينة الضمادة من إصبع يد المومياء الأنثوية. حقوق الصورة: كاثرين كلارك، إحدى مؤلفات الدراسة.
تُظهر الصورة إحدى عينات المومياء، من متحف بريستول، المستخدمة في الدراسة. يشير السهم الأحمر إلى موضع أخذ عينة الضمادة من إصبع يد المومياء الأنثوية. حقوق الصورة: كاثرين كلارك، إحدى مؤلفات الدراسة.

طريقة غير مدمرة لالتقاط المركبات العضوية المتطايرة

لإجراء الدراسة، قام الفريق بتحليل الهواء المحيط بقطع صغيرة من المومياء، بحجم حبة الفلفل تقريبًا. غالبًا ما تتضمن أساليب البحث التقليدية إذابة العينات في مذيبات، وهي عملية قد تُلحق الضرر بالقطع الأثرية الدقيقة والهشة. بدلًا من ذلك، ركز العلماء على جمع الغازات المنبعثة من العينات في الهواء المحيط.

باستخدام استخلاص الألياف الدقيقة الصلبة، بالإضافة إلى كروماتوغرافيا الغاز وقياس الطيف الكتلي عالي الدقة، قاموا بجمع وفصل المواد الكيميائية الموجودة في الهواء، والمعروفة باسم المركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، لإجراء فحص مفصل.

الدراسة التي نشرت في المجلة مجلة العلوم الأثريةقام الباحثون بفحص 35 عينة من مواد التحنيط والضمادات من 19 مومياء، يعود تاريخها إلى الفترة ما بين 3200 قبل الميلاد و395 ميلادي، أي ما يزيد عن 2,000 عام من التاريخ المصري. وحدد الباحثون 81 مركباً عضوياً متطايراً مختلفاً، قدم كل منها أدلة حول المواد المستخدمة والفترة التاريخية التي جرى فيها التحنيط.

البصمات الكيميائية للدهون والراتنجات وشمع العسل والبيتومين

حتى عند وجودها بكميات ضئيلة، يمكن تقسيم هذه المركبات إلى أربع مجموعات رئيسية، ترتبط كل منها بمادة محددة. تنتج الدهون والزيوت مركبات عطرية وأحماض دهنية قصيرة السلسلة. ينتج شمع العسل أحماض دهنية أحادية الكربوكسيل ومركبات سيناميك. تنبعث من الراتنجات النباتية مركبات عطرية وسيسكويتربينويدات، بينما يطلق البيتومين مركبات نافثينية.

أوضح الدكتور تشاو أن التركيبات الكيميائية تتغير بمرور الوقت. "أظهرت نتائجنا أن التركيبات الكيميائية تختلف بين الفترات التاريخية المختلفة. فالمومياوات القديمة كانت ذات تركيبات أبسط، تهيمن عليها الدهون والزيوت، بينما أظهرت المومياوات اللاحقة تركيبات أكثر تعقيدًا شملت الراتنجات المستوردة والبيتومين. وكانت هذه المواد أغلى ثمنًا وتتطلب تحضيرًا أكثر احترافية مع تطور تقنيات التحنيط."


تُظهر الصورة إحدى عينات المومياء، بحجم حبة فلفل، المستخدمة في الدراسة. حقوق الصورة: جامعة بريستول
تُظهر الصورة إحدى عينات المومياء، بحجم حبة فلفل، المستخدمة في الدراسة. حقوق الصورة: جامعة بريستول

كما كشف التحليل عن اختلافات تتعلق بجزء الجسم الذي أُخذت منه العينة.

وأضاف الدكتور تشاو: "على سبيل المثال، احتوت عينات الرأس أحيانًا على أنماط مختلفة عن تلك الموجودة في عينات الجذع، مما يشير إلى أن المحنطين استخدموا خلطات مختلفة لأجزاء الجسم المختلفة، ربما لتحسين الحفظ. هذا مجال يتطلب مزيدًا من التحليل والبحث لفهم أفضل للتقنيات المستخدمة وأسباب استخدامها".

تشجيع دراسة التحنيط والحفظ في المتاحف

قال ريتشارد أبرشاد، أستاذ الكيمياء في جامعة بريستول وأحد مؤلفي الدراسة: "أظهر تحليلنا للمواد المتطايرة حساسية كافية للكشف عن البقايا بتراكيز منخفضة للغاية. فعلى سبيل المثال، كان من الصعب الكشف عن المؤشرات الحيوية للبيتومين باستخدام الطرق السابقة القائمة على البقايا الذائبة."

وقال: "هذا النهج يوسع نطاق دراسة عادات الدفن في مصر القديمة، ويقدم صورة أوضح وأكثر اكتمالاً لخلطات التحنيط، واختيار المواد، واستراتيجيات الحفظ".

قد تكون هذه الطريقة مهمة أيضاً للمتاحف والمجموعات حول العالم. إذ يوفر أخذ عينات من الهواء طريقة سريعة وغير مدمرة لفحص المومياوات الحساسة، مما يسمح للقائمين على المتاحف بجمع البيانات الكيميائية دون إتلافها.

وأضاف إيان بول، أستاذ الكيمياء التحليلية في جامعة بريستول وأحد مؤلفي الدراسة: "لا يزال لأخذ العينات الفيزيائية دور يلعبه في البحث التفصيلي، لكن التحليل المتطاير يوفر خطوة أولى فعالة ومستنيرة لدراسة البقايا المحنطة في مجموعات وفترات زمنية مختلفة".

بالنسبة للمقال العلمي: دوى: 10.1016/j.jas.2026.106490

المزيد عن الموضوع على موقع العلوم:

ترك الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها *

يستخدم هذا الموقع Akismet لتصفية التعليقات غير المرغوب فيها. مزيد من التفاصيل حول كيفية معالجة المعلومات الواردة في ردك.